​سعد جرادات في ذكرى استشهاده – صفحات من كتابي تيغ وزيتون   

كانت مناوبتي فوق قمم صنين حين استلمتُ برقية كي أنزل منها إلى موقع الإدارة في مجدل ترشيش حيث ثمّة رسول بانتظاري. بعد ثلاث ساعات من السير على الأقدام وجدتُ الأخ ربيع الجبل بانتظاري، قال لي إنّ الإخوة أرسلوا في طلبي لأمر مهم، وهم يترقبون حضوري في منزله بضهور العبيدية . ولم يتحدّث معي ربيع بشيء على الرغم من محاولاتي الاستفسار عن ماهية هذا الطارئ الذي استدعى مغادرتي موقعي، باستثناء حديثه عن معركة حامية في عاريا ، واستشهاد الأخ محمود الحسنية  ورفاق له فيها، وأنّهم يحاولون إحضار جثامين الشهداء، فزاد هذا من ريبتي، لماذا يحضر ربيع لاصطحابي وهو من الكادر الأول ويفترض أن يكون منشغلًا بذيول معركة عاريا، فأيقنتُ أنّ ثمة أمرًا خطِرًا قد حدث. 

في العبيدية وجدتُ الأخ أبو فادي (منير شفيق) في انتظاري، وعلى وجهه علامات قلق وحزن عميق، وبعد مقدمة قصيرة كنّا قد اعتدنا سماعها وترداد مثلها عند سقوط الشهداء، وإذا به يقول لي: “استشهد سعد واتفق الإخوة أن تتولى قيادة السرية، وأن يكون (الشهيد) مروان كيالي نائبًا لك”. رغمًا عنّي انهمرت الدموع من عيني ولم أستطع إيقافها، وقد كنتُ أذرف الدموع في داخلي عند كل شهيد، حيث توجع القلب، لكنّ دموعي تمردت حينها، إذ كان سعد شقيق الروح ورفيق الدرب الطويل.

سعد (عبد القادر جرادات) القائد الأول للسرية الطلابية، والكادر الأكثر شجاعة وتميّزًا، كان على موعد في اليوم نفسه مع أهل عروسه للتقدّم لخطبتها. في صباح ذلك اليوم أرسل رسالة إلى أبو حسن قاسم الذي كان موجودًا في الجبل عن عزم بعض الوحدات والفصائل شنّ هجوم على منطقة الأشرفية في محاولة لتخفيف الضغط عن مخيم تل الزعتر، وأنّه يُجري الحشد لذلك من منطقة راس النبع، وسيتم الهجوم انطلاقًا من مواقعنا في البرجاوي، وأعرب سعد عن رفضه مشاركة وحدة من السرية في الهجوم الذي يفتقر إلى قيادة حصيفة وتنظيم متقن. 

مساءً قرّر سعد قبل أن يتوجه إلى منزل عروسه، أن يتفقد المنطقة، فهالته حالة الفوضى وتراجع المقاتلين وهروبهم من أرض المعركة، فأخذ بندقية أحدهم معتقدًا أنّه إذا تقدّمهم سيتبعونه، فلم يتبعه أحد. استشهد سعد. حاول إخوته في السرية البحث عنه وقاموا بتمشيط المنطقة التي تقدم إليها دون جدوى، وفي اليوم الثاني علمنا أنّ قوات الكتائب عثرت على جثمانه وسُحل الجثمان في شوارع الأشرفية، مرتديًا البدلة البيضاء الخاصة بخطوبته.

لم يكن سهلًا أن تكون مكان سعد، ولا تتحلّى بحكمته ووعيه وشجاعته. بعد الاتفاق مع الإخوة، قرّرتُ التوجه إلى الأخ أبو جهاد وطلب سحب وحدات السَرية الموجودة في صنين، فقد كانت خسائرنا كبيرة، والأهم أنّ ثمّة خلافًا مع قائد المحور أبو خالد العملة  على المواجهة المقبلة، كان أبو خالد دائم التحريض في ذلك الوقت على قتال السوريين، وأنّه سيجعل من عينطورة التي سماها الجيب الأحمر مقبرة للجيش السوري، فأدّى هذا الموقف إلى ملاسنات كثيرة معه، إذ كنّا نعتقد أنّ الواجب يقضي بتصحيح اتجاه البنادق الفلسطينية والسورية، والخروج بسرعة من مأزق الحرب الأهلية، والتوجه إلى الجنوب اللبناني، في حين كان هو ومجموعات من اليسار اللبناني والفلسطيني مسكونين بهاجس تحرير لبنان والسيطرة عليه.

وافق الأخ أبو جهاد على ذلك وقام باستبدالنا بوحدات أخرى، وجُمّع الجزء الأكبر من السرية في معسكر بيصور  الذي تولى قيادته الأخ حسن صالح، لإعادة تدريبها وتأهيلها استعدادًا للمرحلة المقبلة.