من كتابي تبغ وزيتون حكايات وصور من زمن مقاوم – الجنوب اللبناني قبل الحرب

عند بدء الاجتياح الإسرائيلي في حزيران/ يونيو 1982، كانت قوة الفصيل المضاد للدبابات الموجود بالقرب من جسر القعقعية والمكلّفة بعرقلة تقدّم الجيش الإسرائيلي على هذا المحور، قد سُحبت وأُرسلت إلى بلدة أنصار، للفصل بين مجموعات من “حركة أمل” ومجموعات من الحزب الشيوعي، بعد اشتباكات عنيفة بالرشاشات ومدافع الهاون استمرت عدة أيام. لم تُفلح المساعي والاجتماعات المتكرّرة في وقفها، ما اضطرنا إلى اتخاذ قرار بالتدخل لوقف هذا النزاع بالقوة بعد أن تعهد قادة الطرفين بوقفها، ولكن بلا جدوى. فتحرّكت سريّة الشهيد أبو خالد كاملة معزّزة بقوات أخرى من فصائل فلسطينية ولبنانية، وبالقرب من بلدة حاروف تعرّضت القوة لإطلاق نار من مجهولين أدّى إلى استشهاد ضابط سيارة إسعاف تابعة للخدمات الطبية العسكرية، وتمّ التصدي لهم بالنيران فورًا، ما أدّى إلى فرارهم. توقف إطلاق النار في بلدة أنصار، لكنّ الأهالي رفضوا أن تغادر قوتنا البلدة بعد استتباب الأمن فيها، ما اضطرنا إلى إبقاء الفصيل فيها، وإبعاده عن واجبه القتالي ضد العدو الصهيوني.
قبلها وخلال عام كامل كنّا نهرع كل فترة لفصل اشتباكات متشابهة في عدة قرى جنوبية، واضطر الشهيد مروان كيالي إلى ترك المؤتمر الرابع لـ”حركة فتح” المنعقد بالقرب من العاصمة السورية، ويعود مع زملاء له إلى الجنوب لوضع حدّ للاشتباكات التي اندلعت في منطقة المروانية – زفتا، بعد أن كانت قوة من الكتيبة بقيادة أبو الفتح قد اندفعت إلى المنطقة، وفرضت وقف الهجوم الذي شنّته فصائل من الحركة الوطنية بدعم من أحد ضباط “فتح” استغل فترة انعقاد المؤتمر وغياب معظم القادة فيه. بعد ذلك أصبح جهدًا أساسيًا لضباط ووحدات من الكتيبة التدخل يوميًا لإطلاق سيارة تابعة لأحد الفصائل دخلت قرية تسيطر عليها “حركة أمل”، أو إطلاق محتجزين من هذا الطرف أو ذاك، حتى بات يمكنني القول بأنّ أغلبية الطرق الفرعية الداخلية في الجنوب اللبناني أصبحت شبه محظورة على سيارات المقاومة باستثناء سيارات الكتيبة. وفي إحدى المرات امتدت الاشتباكات إلى الطريق المؤدية إلى قلعة الشقيف، إذ نصب أفراد محسوبون على “حركة أمل” كمينًا لسيارة تابعة لحزب العمل الثوري بالقرب من كفر تبنيت، ما نجم عنه استشهاد رفيقين. يومها قامت “حركة أمل” بتسليم القتلة للقضاء الثوري بعد وقوفنا بحزم أمام نقل هذه الصراعات إلى خط الجبهة الأمامي.
كان ثمّة صراع داخلي محتدم في الجنوب بين هذه الفصائل الوطنية، إذ كانت قوى تحلّ مكان أخرى في مناطق نفوذها التقليدية. وكان الوضع الإقليمي والتجاذبات داخل الفصائل الفلسطينية واللبنانية من التعقيد بحيث يمنع قادة الثورة من اتخاذ موقف حاسم. في البداية كان الاتجاه العام غير قادر على رؤية هذه المتغيرات على الأرض الجنوبية، وكان ثمّة قناعة بأنّ على الفصائل الفلسطينية أن تنحاز إلى جانب بعض الفصائل اللبنانية ضد “حركة أمل”، وعندما أُدرك لاحقًا ما تمثّله هذه الصراعات من خطر على قاعدة الارتكاز في الجنوب، كان الوقت قد فات، وأصبح ثمّة مسافة بين الوجود الفلسطيني والجمهور الجنوبي، وكانت البيئة العامة في الجنوب قد بدأت بالتغيّر. هكذا كان وضع الجنوب عشيّة الاجتياح الإسرائيلي في حزيران/ يونيو 1982.
وهو وضع حاول العدو الصهيوني الاستفادة منه، بعد احتلال الجنوب اللبناني عام 1982، عبر تشجيع شخصيات شيعيّة للعمل على إقامة منطقة نفوذ شيعية في الجنوب في محاولة منه لاستبدال الشريط الحدودي الذي يتزعمه الرائد سعد حداد بمنطقة أكثر اتساعًا وضمن جمهور أوسع عبر تغذية الحسّ الطائفي، إلّا أنّ موقف الشيخ محمد مهدي شمس الدين نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى كان حاسمًا. وقد عبّر عن هذا الموقف الشيخ الشهيد راغب حرب عندما رفض مصافحة ضابط صهيوني مدّ يده إليه قائلًا: “الموقف سلاح والمصافحة اعتراف”. كذلك كان موقف المفتي الجعفري الشيخ عبد الأمير قبلان و”حركة أمل” التي بادرت إلى فصل بعض المحسوبين عليها ممّن تورطوا في بعض هذه المحاولات.
في ظل هذا الموقف الشعبي، انطلقت المقاومة الوطنية ضد الاحتلال، وصعد نجم المقاومة الإسلامية والوطنية في الجنوب، ليصبح الجنوب اللبناني مقبرة للغزاة، وبدلًا من أن ينجح العدو الصهيوني في تحريض أهل الجنوب ضد المقاومة الفلسطينية، تحوّل الجنوب كله ضد الاحتلال الصهيوني الذي اضطر إلى الانسحاب والتسليم بانهيار الشريط الحدودي الذي أقامه أمام عينيه من دون أن يتمكّن من فعل أي شيء لإنقاذ عملائه والمتعاونين معه، والذين حظي بعضهم لاحقًا بعفو المقاومة، في ما اضطُر البعض الآخر إلى مغادرة الجنوب اللبناني مع جيش الاحتلال، فعاش في فلسطين المحتلة مذمومًا مدحورًا.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply