مقطع حديد من كتابي تبغ وزيتون حكايات وصور من زمن مقاوم – إرادة الحياة

بعد أربعة أيام ارتفعت حرارتي، وأصبح الألم لا يُطاق، وكدتُ أختنق بدموعي التي تأبى مغادرة حجراتها، فقلتُ للدكتور يوسف حنون: “أريد أن أصرخ، أن أبكي، ولا أستطيع”، فقال لي: “إبكِ”. كانت كلمته بلسمًا، فسالت من عيوني دموعٌ صامتة، وأحسستُ براحة كبيرة. 

جاء الدكتور نصولي الابن، أخصائي العظام المتميّز، ووجد أنّ الالتهاب قد وصل إلى البراغي التي تثبت الجهاز الخارجي، فأنزلني فورًا إلى غرفة العمليات، ونزع الجهاز، ونظّف الجرح، ووضع براغي جديدة ثبتها بالجبس، وقد تكرّرت هذه الحالة عدة مرات، إذ أذكر أنّي دخلتُ غرف العمليات أربع مرات على الأقل، فقد كان الالتهاب يُنهي أي محاولة لتثبيت العظام، فتتأكل العظام حول براغي التثبيت، وتصبح عديمة الفائدة، وفي العملية الأخيرة رُفع الجبس إلى أعلى الفخذ مع إبقاء فتحة حول الجرح لتنظيفه، وكانت كف الطبيب تدخل من جهة وتخرج من الجهة الأخرى.

بعد أكثر من أربعين يومًا، سألت يسار الدكتور نصولي عن الوضع بسبب كثرة العمليات، فأجابها: “كل يوم خلال الفترة الماضية كنتُ أقرّر بتر الساق، ثمّ أعطي نفسي مهلة لليوم الثاني، وهكذا حتى الأمس فقط، حيث قررتُ أنّ هنالك فرصة لإنقاذها، لكنّ كل شيء يتوقف على مقاومة الجسم، وهذه تحتاج إلى الإرادة وإلى تغذية غير التي يوفرها المستشفى في هذه الظروف”.

لا أعلم كيف كان يأتيني الطعام في ظلّ الحصار والقصف، كنتُ أصحو فأجد طبق “كبدة نيّة” على الطريقة اللبنانية، يحضره شباب من حي رمل الظريف، وظُهرًا يصل حساء أم أحمد الذي كان وفيرًا بحيث يستفيد منه بعض المرضى وطاقم التمريض، وفي طليعتهم جاري في الغرفة المجاورة الرائد عوني سمارة ، وما زلتُ أعجب كيف كانوا يعثرون على الدجاج واللحوم والفواكه على الرغم من الحصار الذي طال كل شيء.

في أحد الأيام، تعرضت بيروت لقصف شديد، كان يومًا مشهودًا، قرّر فيه المستشفى إخلاء الطبقات العليا، فقد تعطّل كل شيء في المستشفى، وأصبحت أسّرة المرضى في طبقات الأشعة والاستقبال والمختبرات. رفضتُ النزول من غرفتي في الطبقة العاشرة، وبقيت معي يسار وسمير الذي رافقني طوال الوقت، وغادر الجميع بمن فيهم طاقم التمريض، ولم تكن هذه شجاعة زائدة أو مغامرة غير محسوبة، لكنّي استبعدتُ أن يقصف الطيران المستشفى، وقدّرت أنّه قد يتعرّض لبعض قذائف المدفعية أو الصواريخ، وفي هذه الحالة فإنّ احتمالات الطبقات كلها ماعدا القبو الذي لن يتسع للجميع متساوية، وهكذا كان، إذ أُصيب المستشفى بقذيفتين أصابتا الطبقتين الرابعة والسادسة على ما أذكر. 

عند الغداء لم يتمكّن المستشفى من تقديم وجبته المعتادة، فاقتصرت الوجبة على ملعقتي أرز وملعقة لبن، لكن فجأة حضر محمود القرى حاملًا أطباق السمك والبطاطا المقلية، حتى أنّه لم ينسَ الخبز المقلي وصلصة الطحينية. كان بيت محمود في عين المريسة، على الكورنيش، بالقرب من ميناء الصيادين، لمح فجرًا مجموعة منهم، فاشترى السمك كله، أخذه إلى منزله، جهزه وجاء به إلى المستشفى، فانقلبت معنويات الجميع، إذ لم يبقَ جريحٌ أو طبيب في الطبقة إلّا وتناول السمك، كما توافد آخرون من طبقات أخرى، فتبددت مشاعر القلق والتوتر ليحلّ محلها الفرح. كان يومًا عصيبًا هزمته إرادة الحياة.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply