مقطع جديد من كتابي تبغ وزيتون حكايات وصور من زمن مقاوم – الطريق إلى بيروت

على الرغم من قصف مقرّ العمليات، فإنّ سالم مأمور اللاسلك في الكتيبة واصل الاتصال مع المواقع. لم يعرف أحد أنّي أُصبت، وعندما اضطر سالم إلى إخلاء موقعه، تولت المهمة الأخت خديجة مروة، والأخت خديجة من قرية الزرارية التي يمرّ نهر الليطاني عند قدميها، وزوجها علي مروة (أبو خالد)  مسؤول شعبة “فتح” في تلك المنطقة، وعشرات من أبناء القرية كانوا أعضاء في “فتح”، ودائمي التردد على مواقع الكتيبة والقتال معها. ونظرًا لطبيعة موقع القرية من حيث ارتفاعها وتوسطها مناطق الجنوب، فقد أقمنا فيها محطة اتصال، وقد كان منزل علي وخديجة مقرّ تلك المحطة. استمرت “خوخ” (الاسم الكوْدي) بالاتصال وتوجيه الوحدات والمقاتلين إلى ما بعد احتلال العدو للجنوب كله، وحتى ما بعد احتلاله للزرارية نفسها، وبقي صوت خوخ رفيقًا للمقاتلين في مواقعهم الأمامية، إذ حافظت على الاتصال براسم في القلعة، وأبو الخل في كفر تبنيت، وأبو حديد في الحرج، ونسّقت ضربات المدفعية والصواريخ على قوات العدو المتقدّمة في اتجاه القلعة، وفي مرحلة لاحقة رافقت المقاتلين عبر رحلتهم الطويلة إلى مواقعهم الجديدة في الجبل والبقاع، والتي كانت رحلة صعبة نظرًا لحركة العدو السريعة، إلّا أنّ خوخ كانت خير مرشد وخير دليل.

أخذني الدكتور يانو مع أديب بسيارة إسعاف إلى صيدا، وكانت السيارة تسابق الزمن والقصف المنهمر على الطريق، وعلى مثلث الزهراني كان القصف شديدًا على سرية لجيش التحرير مرابطة هناك، والحرائق مشتعلة، والعدو يمهّد لمحاولة إنزال. وصلنا إلى مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني، وحضر بعض الإخوة للاطمئنان علي، ولعلّي أذكر منهم الأخ كمال الشيخ ، والأخ داود أبو الحكم ، عند هذه النقطة فقدتُ الوعي ولم أستيقظ إلّا فجرًا على وجه عمّار (الشهيد عاطف بدوان)، ودبوس (نبيل)، وفي مستشفى آخر هو مستشفى غسان حمود.

عند بدء الاجتياح توجه عمّار من بيروت إلى الجنوب، وفي صيدا أبلغوه أنّ الطريق إلى النبطية مقطوعة، وعلم بإصابتي فهرع هو والإخوة الذين معه إلى المستشفى، حيث خضعتُ هناك خلال الليل لعملية جراحية أجراها لي طبيب عراقي متطوع، رُكّب فيها جهاز دعم خارجي للساق مثبت بعدة براغي.

غفوتُ وصحوتُ مرة أخرى على ضجيج وجلبة في الغرفة، وكان الشهيد حمدي سلطان أمامي، ومعه شريف مرافق الأخ أبو جهاد، ومن دون استئذان من أحد وضعوني على نقالة، وأخذوني إلى سيارة إسعاف يقودها ضابط إسعاف شجاع يدعى النسر، جاءوا بها من بيروت عبر الطريق التي استطلعها الإخوة في الجبل. غادرنا صيدا ومعنا عمّار عبر تلة شرحبيل، إذ كان العدو قد احتل التلة بعد أن تقدّم من نقطة الإنزال عند جسر الأولي في اتجاه تلال صيدا، إلّا أنّ هجومًا معاكسًا شنّته مجموعات من سرية الدفاع في قوات القسطل وكتيبة شهداء أيلول والميليشيا، ومعهم رشاشان 23 ملم من كتيبة الجرمق كانا قد انسحبا من النبطية، في محاوله لإنقاذ بعض المعدات التي لم تعد تتلاءم وطبيعة المعركة، قد استعادت التلة لفترة محدودة.

في هذا الوقت دخلتُ سيارةَ الإسعاف، وعند عودتنا كان العدو يشنّ هجومه المعاكس على التلة، والحرائق والقذائف والدخان تغمر المنطقة، وكان النسر يقود بأقصى سرعة، والسيارة تعلو وتهبط، وأنا معها أكاد أقفز من فوق النقالة، وأشعر بألم كبير، فأطلب من السائق أن يخفف السرعة قليلًا، ليرتفع صوت حمدي طالبًا منه زيادتها. كنّا في سباق حقيقي مع الموت المنهمر من كل اتجاه.

كانت القيادة قد طلبت من قيادة القوات نقلي إلى بيروت، إلّا أنّها اعتذرت نتيجة الإنزال الصهيوني على جسر الأولي وأماكن أخرى. وفي هذه اللحظة عاد شباب الجبل، وأرشدوهم إلى طرق بديلة يمكن استخدامها، فأبلغ حمدي أبو جهاد الذي وفّر لهم فورًا سيارة إسعاف وأرسل مرافقه شريف مع حمدي للتعرّف إلى الطريق لعلّه يستخدمها.

اعتقل الصهيونيون الدكتور يانو وأطباء المستشفى، وحققوا معهم وعنفوهم لدى السؤال عنّي، ولم يعرفوا كيف غادرت صيدا، معتقدين أنّي ما زلت مختبئًا فيها، ولم يعرفوا أنّ القدر يتدخل في لحظات، ليرسم لنا فيها مصائرنا، فيُرسل لنا من جنوده من هو مثل حمدي في شجاعته وإقدامه.

أمضت يسار ليلة صعبة، فقد أحسّت في داخلها أنّ ثمّة ما يجري ولا تعرف به، وكان الإخوة قد توافقوا على عدم إعلامها بشيء، وعلى الرغم من أنّ تدفق الإخوة والأخوات على المستشفى لم ينقطع، فإنّ إجاباتهم عن أسئلتها كانت نمطية ومتشابهة، ممّا زاد من ريبتها.

في تلك الأثناء جاء الأخ أبو عمّار لزيارة يسار، وطلب الصغيرة، ليؤذن في أذنها بحسب التقاليد الشائعة، وسأل إن كنّا قد قرّرنا اسم الصغيرة، فأجابت بالنفي، إذ لم يتسنَ لنا ذلك نظرًا لعودتي السريعة إلى الجنوب، فاقترح تسميتها “سماء” أو “انتصار” ملمّحًا إلى إسقاط الطائرة وأسر الطيار في الشقيف. وبعد قليل حضر أبو جهاد ومازح يسار بأنّ “انتصار” واحدة تكفي، في إشارة إلى زوجته الأخت أم جهاد “انتصار الوزير”. وما إن غادر حتى جاء أبو الوليد، وقد كان الجميع يمضون وقتًا أكثر من المعتاد في الأوضاع العادية، فكيف في ظلّ القصف والحرب، كما كان الجميع يحرص على طلب الصغيرة التي أبقتها يسار في الغرفة تجنبًا لإزعاج طاقم التمريض، ولعلّها ظنّت أنّهم ينظرون إليها نظرة إشفاق، ممّا زاد من شكوكها، وبقيت متيقظة تنتظر خبرًا ما.

أُودعتُ في الطبقة العاشرة من مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت، وذهب حمدي ومصباح الذي كان ينتظر في قسم الطوارئ إلى يسار في غرفتها في الطبقة الرابعة، وكان حمدي متعبًا من أثر الرحلة الشاقة، ومصباح تعلو ملامح وجهه جدية زائدة، فأيقنت يسار أنّ الخبر الذي تنتظره منذ الأمس قد جاء أوانه، فقالت: “استشهد معين؟”، فأسرع حمدي بالإجابة: “لا لا، إنّه مصاب وهو هنا في الطبقة العاشرة”.

جاء الدكتور كرم كرم مسرعًا، وهو من قرية الخيام الجنوبية، وقد أصبح لاحقًا وزيرًا للصحة في لبنان، فقال ليسار: “عندما جاءتكم بنت، زعلت، كنتُ أريد أن يكون باكورة أبنائكم صبي، لكن الحمد لله ما إجى صبي؛ الصبي بيقفي بيّه، سموها فدى لأنّها فدت بيّها”.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply